خليل الصفدي

39

أعيان العصر وأعوان النصر

وجملة الأمر فيه أنّي * أقول قولا بلا رياء إنّ فراق الكمال صعب * حتّى على البدر في السّماء وكان هو قد كتب إليّ من حلب في أوائل سنة خمس وخمسين وسبعمائة : يقبل الأرض التي هي من براعته ، ويراعته مجمع البحرين ، ومن لفظه وخطه مغاص النفيسين من الدّرّين ، فأضحت بذلك في الشام شامة ، وغدا برق فضلها لامعا لمن شامه ، وينهى بعد أشواق تفيء سطور الطروس في غضونها ، وأثنية تستنزل الورق بأطواقها من غصونها . إنه ما برح يتذكر مولانا وفوائده ، ويشاهدها ويتعاطى نشوة فضّ الختام ويتعاهدها ، ولم يزل له من أمثلة مولانا الواردة إلى أخبي الملوك كئوس مدام ، ولها من ميم مسك قصيدته الميميّة ختام ، ومن مخبآت شرح اللامية عرائس تجلى على الأفهام ، وإنما أماكن تحتاج إلى مقابلة على النسخة الأصلية ، ومواطن لم تكن مرآتها في قراءتها جلية ، وتتمات تركت فعسلت مطالعها إذ كانت من الكتابة خليّة ، فاختار المملوك حيث اسمه إبراهيم أن يطرب بنوبته في نسخته الخليلية ، فإن اقتضى رأي مولانا أن ينعم بتجهيز النسخة الصحيحة الكاملة ؛ ليقابل عليها نسخته التي حرمها الكاتب ما يجب من المقابلة ، ومنعها من جبرها بالتصحيح فاستحقّ المقابلة ، ليحكم المملوك جوهري معانيها الصّحاح ، ويزيل تعجبه من فساد هذه النسخة المنسوبة إلى الصلاح ، وإن تعذر تجهيزها جملة ، فليكن مجلدا بعد مجلد ؛ ليقابل عليها ، ويعيدها إلى خليله ، والعود أحمد إن - شاء اللّه تعالى - . فكتبت أنا إليه الجواب ارتجالا من رأس القلم : ( مجزوء البسيط ) لا ينكر النّاس قطّ شوقي * إلى كمال حوى المعالي فالبدر أفنى الظّلام سيرا * ليرزق الفوز بالكمال يقبل الأرض حيث ابن مقلة لتلك الكتابة شاخص ، والفاضل « 1 » لذلك الترسّل ناقص ، والميداني لتلك البلاغة على عقبيه ناكص ؛ تقبيل من زكا ودّه ، وتأكّد في المحبة عهده ، وتجدّد في الثناء على مرّ الزمان ورده ، وعذب في الدعاء ورده ، فما نبع إلّا وأينع بالإجابة ردّه ، وورد المشرب الذي حلا وغلا قدره البلاغة علا ، وشاع ذكره ، لما ملأت محاسنه الملا ، واتضح معناه في ليل سطوره التي أسدفت ، فقال : أنا ابن جلا ، وضمّه إلى صدره ، فشفى به عليل مهجته ، ورفعه على ناظره فقضى له بتجديد بهجته ، وفضه عن طروس

--> ( 1 ) الفاضل هو : القاضي الفاضل وزير صلاح الدين .